تراجع حظوظ الحركة الإسلامية

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend

ليست نتائج الانتخابات هي فقط ما يستدعي من الإسلاميين مراجعة خطابهم السياسي والاجتماعي بإمعان شديد، واستدراك موارد النقص والقصور في حراكهم اليومي، وإنما أيضا الخلل البادي في طبيعة الثقافة التي تُشكل قاعدة ذلك الخطاب، والذي على الرغم من الميل والاستجابة العفوية التي يبديها الجمهور تجاه أنصار الفكر الديني والمحافظ، إلا أن واقع الجماعات الإسلامية يميل إلى التراجع شعبيا بصورة ملفتة للنظر، ويُظهر عجـزا بين فترة وأخرى عن استقطاب أصوات الناس. هذا التراجع والتباين الحـاد في حجم تفاعل الشارع مع التيارات الإسلامية، نـاتج من جهة أولى عن خلل في الاستراتيجيات الحركية التي اتبعتها التيارات الإسلامية، خلال السنوات السابقة، وهو ما نأمل التوقف عنده في مقال مُستقل آنفا، وناتج من جهة ثـانية عن غياب التأسيس الثقافي، داخل الحركة الإسلامية، والذي انتهى إلى تعطيل عمليات التطور والنمو داخلها، وانعكس سلبا على مستوى الأداء العملي، وعلى طبيعة الملكات الإدارية والتنظيمية، داخل الحركة، وأخيرا على خفوت قدرتها على استشراف المستقبل. إن جسامة التحديات الاجتماعية والسياسية، التي واجهتها الجماعات الإسلامية، في السنوات الأخيرة، والتي عرَّضتها لنزف مستمر، سواء على مستوى تسرب الأفراد والكفاءات القيادية داخل الحركة، أم على مستوى تردي نوعية الخطاب الذي تقدمه إلى الجمهور، أم حتى على مستوى قدرتها على قيادة وتوجيه الشارع، لم تواجهها الجماعـات الدينية بإعادة النظر في أفكارها ومقولاتها التأسيسية، أو في محاولة صوغ نظرية جديدة في العمل، تنعكس على طبيعة الخطاب السياسي، والاجتماعي الذي تحمله الحركة، وإنما اكتفت بضرورة المحـافظة على الأفكار ذاتها وطرق الأداء القديمة، واعتبرت ذلك الثبات بحد ذاته نصرا مظفرا، تتفاخر به في جدالها مع الجماعات الأخرى. وهو الأمر الذي أدى لاحقا، ليس إلى تراجع حظوظ الحركة الإسلامية على مستوى المكاسب والإنجازات السياسية، بل وفي تراجع دورهـا في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي. فالمكانة السياسية والاجتماعية، التي حققتها داخل أغلب المجتمعات العربية، لم تتزامن مع رفع درجة الوعي السياسي عند الأفراد المتصدين للعمل في الساحة، وتأهيلهم فكريا وثقافيا لقراءة التَّموج في الساحة، وتزويدهم بالأدوات المعرفية اللازمة لفهم المجتمع، وتفكيك وضعياته وقراءة تحولاته، وبالتالي منحهم القدرة على الإسهام في وضع الحلول والمقترحات، لكن ظل التلقين الديني والذي تغلب عليه التقليدية والتكرار والسطحية هو السائد، وهو جزء من الضعف الثقافي العام الذي أصاب المجتمع بكامله. إن تأهيل الأفراد سياسيا لا يكفيه مجرد زجهم في المعارك التي تدور على هامش العملية الانتخابية، ولا عبر تحريضهم على التدافع في ساحة العمل، ولا حتى في تشجيعهم على متـابعة الأحداث السياسية اليومية، بل يتطلب الأمر رفع مستواهم الفكري والثقافي بالصورة، التي تؤهلهم لاستيعاب ما يجري حولهم من أحداث ومستجدات سياسية واجتماعية وثقافية. إن الاكتفاء بفعل التحريض والتهييج يُعبر عن أزمة وعي تعيشها أغلب التيارات الإسلامية، من أبرز تجلياتها غياب الأولويات الحركية، وانعدام الرؤية المستقبلية، وعدم القدرة على تفكيك أبعاد الحدث، بمعنى آخر فإن درجة الوعي السياسي عند الأفراد تتحدد وفق ما يمتلكونه من أداوت بحثية وتحليلية، تسهم في الارتقاء بقراءتهم للحدث اليومي، وهو الأمر الذي لا يزال غائبا عن أدبيات الحركة الإسلامية. إن انخفاض مستوى الاهتمام بالمسألة الثقافية، وتدني قيمة الفكر كمنظور في منهج النظر والتحليل عمَّق من حجم الخسارة التي لحقت بالمجتمع أولا، وبالحركة الإسلامية ذاتها تاليا، فإن كانت السلطة قد حققت تقدما ملحوظا على المستوى السياسي، بما تملكه من قدرات وإمكانات واسعة، فقد كـان المؤمل والمرتجى أن تتقدم الحركة الإسلامية على المستوى الثقافي بحسب أولوياتها واهتماماتها، لكن إهمال الحركة الإسلامية للشأن الثقافي، والاكتفاء بتقديم نفسها كمشروع سياسي، أدى إلى سيطرة المواقف السلبية على الجمهور، وانسحاب الفاعلين من الساحة، وتدني الاهتمام بالشأن العام، وهي بذلك لم تخسر معركة السياسة فقط، وإنما خسرت إلى جانبها معركة الثقافة، وهي الخسارة الثقيلة والموجعة. هذه الالتفاتة من شأنها أن تُسهم في أن تقدم الحركة الإسلامية نفسها كبديل حضاري، وليس كمشروع سياسي، ولا يتحقق ذلك من دون أن يكون السياسي جزءا من مشروع ثقافي متكامل وليس العكس.. وطبقا للناقد البريطاني «تيري إيغلتون»، في كتابه الصادر عن دار الحوار «فكرة الثقافة»، فإن إعلاء الثقافة على السياسة، ينتهي إلى استثمار موارد السياسة لخلق مواطنين صالحين، يرتفع لديهم الشعور بالمسؤولية، ويتصفون بالاعتدال والتوازن، بينما ينتهي إعلاء السياسة على الثقافة إلى تدميرها بالكامل، ويربط «إيغلتون» بين الثقافة والسياسة، لأن السّياسي يخسر متى ما أخفق عن فهم ما يجري حوله. وإذا أرادت الحركة الإسلامية أن تعود إلى ساحة التغيير والتأثير الحقيقي، فإنها في حاجة اليوم إلى المبادرة نحو إطلاق مشاريع ثقافية وفكرية كبرى دونما أي تأخير. وعليها أن تُنشط مراصد الأبحاث والوحدات الدراسية التي تغذي الساحة بالأفكار والتصورات الجديدة، وتتصدى من خلالها لمعالجة القضايا المعاصرة برؤية علمية موضوعية، بعيدة عن المواقف المسبقة، وتُشخص مواطن الخلل بدقة وعمق، وتقترح الحلول الملائمة لها. كما ينتظر منها الاعتناء بتربية وتبني وإطلاق المثقفين والمبدعين، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة والمكاسب اللحظية، فعلى أمثال هؤلاء تُبنى المجتمعات الحرة وتتقدم الأمم المتحضرة.

أوان الكويتية

No votes yet